في أول لقاء…( اليوم الثالث )
- أسبانيا – قرطبة:
- ( اليوم الثالث ) :
دخلت قرطبة في وقت الضحى ومن محطة القطار ركبت سيارة الأجرة قاصداً الفندق الذي قد حجزت فيه مسبقاً وكان يسمى بـ ” Conquistador hotel ” وهو فندق قريب جداً من جامع قرطبة بينه وبين أسوار الجامع أمتار قليلة وهذا ما أعجبني فيه ..
وعند دخولي للمدينة وأنا أتجول في سيارة الأجرة بين طرق قرطبة الضيقة أحسست بشعور غريب لم أشعر بمثله قط إلا عندما أزور المدينة المنورة ورؤية مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم - ، فهو شعور يمزج بين الفرح والسرور والروحانية العجيبة ، ولهفة الشوق والترقب ، ولذة النفس والعين والفؤاد عندما يلقى المحبة حبيبه ..
إلا أن دخول قرطبة أضاف إلى هذا الشعور حزن دفين ظهر عندما بانت مأذنة جامع قرطبة الكبير وأسواره من بين العمران ، لم أختبر هذا الشعور قط في حياتي ، وإذا بعيناي تترقرق بالدمع على إستحياء وحق لها أن تدمع ، وإذا بالقلب يخفق خفقان الملهوف حتى كاد القلب يطير من مكانه من شدة الخفقان حزناً وأسى على ما حل في هذا الجامع الكبير ..
مساجدها كنائس ، اي قلب :: يقر على هذا ولا يطيرُ ؟!
فنزلت من سيارة الأجرة أريد دخول الفندق المقابل للمسجد ، فتوقفت انظر إلى المسجد وأتامل فيه وأتفكر فقلت له : بالله عليك إنتظر سآتيك من فوري بعد أن أنهي الإجراءات مع الفندق حتى لا يقاطع لقائنا أحد ..
وبالفعل .. دخلت إلى الفندق وأنهيت الإجراءات وتركت حقائبي ولم أجلس وأريح من عناء السفر كي لا أخلف موعدي مع الجامع ، وكي أرضي عيني برؤيته وأشفي غليل صدري بالحديث معه والبقاء بجانبه … وقد فعلت ..
ولكن العين لم ترضى وغليل الصدر لم يشفى حتى بعد أن قضيت بجانبه ساعات طوال ، ولكني وعدتهم بالرجوع إليه وزيارته في قابل الأيام … فطابا خاطرا ..
ثم تجولت في أرجاء المدينة مشياً على الأقدام أناظر البيوت والعمران وأتمتع بجمالها الأندلسي وبالزخارف الأندلسية والإسلامية على الكثير منها ، حتى وصلت إلى النهر الذي يقطع قرطبة وهو امتداد لنهر الوادي الكبير الذي يقطع إشبيليا فوقفت على القنطرة وهي الجسر الذي يمتد على النهر ، فجلست أناظر المدينة وأتأملها في وقت الظهيرة وأرى المباني الأندلسية من بعيد فكان لها منظراً جميلاً كعادة مدن الأندلس ..
وشد انتباهي كثرة النخل في قرطبة فتذكرت المقولة التي تقول “ النخلة عمة العرب ” واعتقد أن هذا قد قيل في النخلة لشدة تعلق العرب فيها ومكانتها عندهم حتى انها ذكرت في القرآن الكريم في عدة مواضع ، وفي أحد الآيات يقول الله جل وعلا (( والنخل باسقات لها طلع نضيد )) فما أجمل النخيل ..
وتذكرت أيضاً ارتباط عبدالرحمن الداخل بالنخل فهو من أمر بجلب النخل إلى الأندلس لحبه وتعلقه بها ، وفي أحد الأيام وقف أما النخلة التي زرعها في الرصافة وقد كانت نخلة وحيدة فقال وهو يحاورها :
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهتي في التغرب والنوى
وطول التنائي عن بني وعن أهلي
نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة
فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
فأحسست ببعض ما أحسه الداخل من الشعور بالوحدة وألم الفراق ، حيث أنني قصدت هذه الديار وحدي دونما صاحب ، وبعيدا ً عن الأهل والأصحاب ، ولكن يعزيني البقاء في أرض ٍ هي من أحب البقاع إلى قلبي ، وكيف لا وهي الأندلس …؟!
ثم عدت للمدينة لأصلي الظهر والعصر جمع تأخير فقد دخل وقت العصر ، وبعدها أكملت جولتي في أرجاء المدينة ، وإذا بالجوع قد هم بي فرحت أبحث عن مطاعم عربية فيها الأكل الحلال فوجدت بالمصادفة مطعم مغربي إسمه “ مطعم السلطان “ فلما شاهدني أحد العاملين المطعم وهو مغربي الجنسية قال قلي : “ حياك الله يا أخي “ ، فدخلت بادئاً بالسلام فأحسست بشعور جميل بوجود عرب مسلمين في هذه المنطقة وكأني بين أهلي وأصحابي ، فطلبت بعض الطعام الحلال من الدجاج وسلطة الخضاء والحلويات المغربية والشاي الأخضر المغربي حتى قضيت حق المعدة ، فإن لبدني علي حق كما قال الحبيب – صلى الله عليه وسلم – …
ودخلت في حوار بسيط مع الأخ المغربي بعد أن طلبت منه التحدث باللغة العربية الفصحى كي يسهل علي فهمه فاللهجة المغربة سريعة نوعاً ما وفيها كلامت لا أفهمها ، وبالفعل تحدثنا بالفصحى فكان الحديث شيق والشعور جميل إذ أحسست أننا واحد لا فرق بيننا فاللغة العربية الفصحى لها سحر خاص لاسيما وهي لغة القرآن الكريم ..
فتطرقنا بالحديث عنه وعن أحواله وأحوال بلاده تارة ، وعني وعن احوالي وأحوال بلادي تارة ، وعن أحوال الأمة والمسلمين تارة ، فكان للأخير وقعه الأجمل …
ومما تطرقت له في الحديث أني قلت له كيف كيف تطيف لكم أنفسكم في العمل والحضور كل يوم ومشاهدة جامع قرطبة وهو بين يدي النصارى حتى ان صلاتكم فيه ممنوعة..؟!!
فقال لي والأسى والحزن على وجهه : “ لقمة العيش يا أخي ، والله المستعان ” ، فرحت أكررها وراءه .. الله المستعان …
وبالمصادفة كان في المطعم شاب باكستاني مسلم في بداية العقد الثالث من عمره جاء يبحث عن الأكل الحلال فعلمت أنه رجل صالح فقد اتقى الله جل وعلا حتى في طعامه ، فجرى حوار بسيط بيننا نتعارف فيه ونتآلف ، ولكن في حديثنا فقد لذة اللغة العربية لأننا كنت نتكلم الإنجليزية لصعوبة تحدثه بالعربية ، فقال لي: “ عند دخولي إلى الجامع سألوني إن كنت مسلماً فأجبتهم بأني مسلم فقالوا لي لا تصلي في الجامع فالصلاة فيه ممنوعة ..! ” ، فقلت له “ لا حول ولا قوة إلا بالله … ولكن في يوم من الأيام سنصلي بإذن الله ” فقال: “ إن شاء الله ” ، فذهب بعد أن أنهى طعامه ، وبعده ببعض الوقت أنهيت طعامي وسألت صاحب المطعم إن كان يوجد في الأنحاء مسجد قريب فأجابني بوجود مسجد يبعد مسافة عشرون دقيقة تقريباً ً بالمشي على الأقدام ، فذهبت إلى المسجد عندما حان موعد صلاة المغرب بعد أن إكملت جولتي في المدينة ، فصليت في المسجد الصغير وكان عبارة عن مصلى صغير ، وكان عدد المصلين فيه خمسة عشر شخصا ً تقريبا ً وأغلبهم من أهل المغرب أو تونس ..
بعد الصلاة وعندما أسدل الليل ستاره جلست على أعتاب أحد بوابات المسجد الجامع وهي البوابة المقابلة للفندق ، فرحت أتذكر وأتفكر وكتبت بعض الأبيات وإن لم أكن شاعرا ً ، فقلت فيها أصف حالي وحال الجامع :
على الأعتاب سال الدمع مدرارا
وجاء الطيف تلو الطيف تكرارا
ونفسي في حنايا الصدر جازعة
وقلبي يصدر الآهات إنكارا
يا جامع الإسلام في قرطبة











بأي حق يسلب المسلمون من تاريخهم ومقدساتهم !
لاحول ولا قوة الا بالله =/
دائما ماأحس أن في بلاد الغربة تذوب كل الفوارق ويبقى الدين فقط هو الجامع
وتشعر بألفة معهم على عكس وجودك في بلدك فيكون أماك المغربي والتونسي والهندي
ولكن في الغربة شيء اخر …تستشعر حينها حقيقة اخوة الدين
شكرا لك اندلسي فقد عشنا لحظات جميلة
بانتظار البقية =)
صور رائعة
و تعليق أروع
اللهم أعد للإسلام أمجاده
استمتعنا بالجولة حقيقةً , كم ألمني قلبي على المساجد المسلوبة
بالصدفة أمس كنت أقرأ قبل النوم عن الأندلس !
منذ ازدهارها وإعلانها دولة إسلامية وإلى فاجعة تحولها للأقباط
لا بأس , أخبرنا الله عن عودة الدولة الإسلامية بقوة
أطياف~
نعم اختي لا عذر لهم في سلبنا مقدساتنا ، ولا عذر لمن سبقونا في فعلتهم النكراء بتسليم الأندلس للنصارى دون الدفاع عنها ، ولا عذر لنا أما الله إن لم نسعى لإرجاعها … ولا حول ولا قوة إلا بالله ،،
أما بالنسبة للفوارق بين المسلمين والعرب فقد صدقتي ففي الخارج يكون التواصل أكبر وأقوى ويزداد الشعور بالمحبة والتآلاف فيما بيننا ، ولكن في بلادنا يقل هذا الشعور …
ولكن صدقيني من يعود نفسه على هذا الأمر في الخارج سيعتاده ويعيشه في الداخل ، ويرى الأمور بمنظور آخر ، فعطفنا على الضعيف والتحدث معه عنه همومه ودياره والإختلاط بيه والأكل معه على مائدة واحدة يقربنا إليه ويالف فيما بيننا ويكسبنا التواضع ويزرعه في قلوبنا كما الصلاة في جماعة ^_^..
ترقبوا أختي قريباً بإذن الله ^_^ ،،
eb9ara7a & his wife
حياك الله أخي الحبيب وشاكر لك مروروك الكريم واطراءك الجميل بارك الله فيك ،،
ونسأل الله أن تعود الأمجاد … وعلينا بذل السبب ..
iCoNzZz
شكراً لكم اختي الكريمة على مروركم وهذا من ذوقكم ^_^ ،،
أما المساجد فلو ترينها وهي كنائس حينها فعلاً نشعر بالألم الحقيقي والله المستعان ،،
أما الأندلس فكانت جنة الله في أرضه وكانت أرض العلوم والثقافات والحضارات ، كانت أعظ دولة في زمانها وتفوقت على كل دول العالم …. ولكن الأيام دول …
وكما قال الشاعر يرثي الأندلس:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمن
وبإذن الله ستعود الأندلس يوماً ما وسنعود فيها كما كنا ،،
ولابد وللفجر قدوم .. لابد وإن طال ..
Hey, nice post, really well written. You should blog more about this.
وفقكم الله فى رحلتكم.
الله يجزاكم خير اختي moonq8 ^_^ ،،
ابتسمت في أكثر من موضع حين القراءة : )
أثرت في نفسي ذكرياتٍ كثيرة ..
عندما زرت قرطبة كنت متحمسة للصلاة في مسجدها الحبيب , توضأت في الفندق ونزلت مع والدي
ولكن , لسوء حظنا كان يوم الأحد , وكانت الأجراس تقرع بدلا من الأذان , تلك الأجراس البغيضة التي غرسوها في باحت المسجد , وكنت أرمقها بألم وهي تؤذنهم لصلاتهم , وكانت الجموع تتدافع للكنيسة التي أقاموها في ركنٍ من أركان المسجد , فمنعنا الحارس من الدخول وقال لنا عودوا في الغد!
: (
فاكتفينا بالتجول خارجه , وكنت أردد في نفسي :
تبكي الحنيفية البيضاءُ من أسفٍ , , كما بكى لفراق الإلفِ هيّمانُ
عل ديارٍ من الإسلامِ خاليةٍ , , قد أقفرت ولها بالكفر عمرانُ
{ حيث المساجدُ قد صارت كنائسِ ,, ما فيهن إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ , , حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ }
والله المستعان ..
أسأل الله أن يرزقني زيارةً أخرى لتلك الربوع ,,
أعتذر على الأخطاء المطبعية والتشكيلية في الأبيات !
عل = على
خاليةِ = خاليةً
كنائسِ = كنائسَ
حياكم الله اختي إيلاف ..
وأدام الله عليكم الابتسامة ،،،
ونعم كانت رؤية الجامع ومأذنته لها وقع شديد على قلبي أفاضت الحزن من حيث أدري ولا أدري ، والله المستعان ،،
نسأل الله لكم ولنا زيارة ثانية والصلاة في المسجد الجامع ،،
شكراً على المرور ^_^
الله يهنيك على هالسفره الحلوه
من أمنيات حياتي أن أزور اسبانيا والمغرب وانشالله احققها
مترقبين باقي الصور و مع اسلوبك الشيق صراحه
تحياتي ،،،
قصة لم يؤلفها بشر
حياك الله أخوي وشاكر لك مرورك الكريم وإطرائك الأجمل ^_^،،
وبإذن الله تتحقق أمنياتك في زيارة اسبانيا والمغرب … وصدقني مو صعب تحقيقها..
وان شاء الله لي زيارة للمغرب بإذن الله ،،
وترقب بإذن الله صور الطيبة وباقي أيام السفرة ،،
أسعدت بمرورك ^_^ ،،
استمتعت حقيقة وأنا أقرأ
سأبقى تحت سكب مدادك دوما
يعطيك العافيه
الغدوف
حياكم الله اختي الكريمة ، وشاكر لكم مروركم العطر واطرائكم الجميل ^_^ ،،
والله يعافيكم ..
أخي الأندلسي
اسلوبك رائع وجميل .. لا فض فوك ..
وبانتظار جديدك على أحر من الجمر ..
قلم
دعوة…
جزاك الله خير…
حديث نبوي…
……