في أول لقاء…( اليوم الرابع )
- أسبانيا – قرطبة:
- ( اليوم الرابع ) :

في صباح هذا اليوم ذهبت باكرا ً لشراء تذكرة الدخول لمدينة “ الزهراء ” التي بناها عبدالرحمن الناصر – رحمه الله – ، فكانت آية من آيات الزمان ولكنها حرقت ودمرت في الثورات الأخيرة التي حصلت في الأندلس حتى لم يكتشف منها إلا 10% فقط من هذه المدينة ..
وبعد شراء التذكرة ذهب إلى موقف الحافلة الخاص بهذه المدينة وانتظرت قرابة الساعة خوفا ً من أن تفوتني الحافلة وأُحرم من زيارتها ، وعند الإنتظار حضر مجموعة من كبار السن رجال ونساء يريدون زيارة الزهراء فإذا برجل منهم يقول : “السلام عليكم ” وإذا به عربي وبالحديث معه علمت أنه من بلدي الكويت ويعيش في أسبانيا من 30 سنة ، ويسكن حاليا ً في جزيرة من جزر اسبانيا وهو رجل كبير في العمر وأعتقد انه قد جاوز الستين من عمره ….. ( إقرأ المزيد )
فتصاحبنا في الطريق نؤنس بعضنا البعض ، وعلمت منه أنه يدرس التريخ الأندلسي وتاريخ فلسطين ، وتاريخ الديانات الثلاث الإسلام والنصرانية واليهودية ، فقضينا الوقت معا ً إلى منتصف النهار وبعد الغداء إذ أصر على دفع حساب الطعام بحجة أنني ضيف رغم امتناعي وإصراري على الدفع ولكنه أصر على رأيه فوافقته ولم أرد أن أردَّ ضيافته وكرمه ، فأخذ رقمي ووعدني بنسخة من كتاب كتبه عن الأندلس ، ومن الطريف في الأمر أنه عرض علي العيش في الأندلس وهو مستعد لمساعدتي في البحث عن مسكن وعمل ، فشكرته على بادرته الطيبة وأعتذرت منه عن هذا الطلب وإن كان هذا الأمر قد جال بفكري من قبل…!
وبعد انتهاء حديثنا الطويل عن الأندلس والإسلام والديانات قال لي : “ يعجبني فيك طموحك والأمل الذي تحمله فابقى كما أنت ولا تتبدل ولا تتغير ولا تفقد الأمل ” ، فافترقنا بعد ذلك على أمل اللقاء مرة أخرى بإذن الله …
أما عن مدينة الزهراء التي زرناها معا ً فقد كان لها وقع على قلبي وحزنت لما جرى لها من دمار ، ففي يوم من الأيام كانت أعظم وأقوى مدينة في العالم ويحكمها أعظم الملوك في زمانه وهو عبدالرحمن الناصر ، فرحت أتجول في أنحاءها وأرى ما تبقى منها من آثار ، وبالفعل كانت آية في الجمال والعظمة والهيبة ورحت أتخيل ملوك العالم الذي كانوا يأتون إلى الناصر ويجلسون على ركبتهم وهم خاضعين خانعين صاغرين ، فيا لتلك العزة ويا أسفاه على ما حل فيها وفينا من بعد .. قد قيل الأيام دول … ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
غادرت الزهراء على أمل العدوة بإذن الله في قابل الأيام ، وأحمل في نفسي الأمل والتفاؤل والعزم على تحقيق الغاية البعيدة بإذن الله … وما ذلك على الله بعزيز ..

عدت إلى قرطبة واتجهت إلى المسجد الجامع فاشتريت تذكرة الدخول… وقد كنا من قبل ندخله متى نشاء ولكنها الأيام ..!
فبعد دخولي إلى الجامع رحت أتجول فيه وأتخيل من كانوا هنا من المسلمين المصلين والعلماء وطلبة العلم والإمام قائما ً يصلي في الناس … كل هذه التخيلات تمر علي مرور النسيم العليل حتى وصلت إلى المحراب فأسندت ظهري على أحد أعمدة المسجد ثم بدأت بالأذان بصوت منخفض يسمعه القريب مني ، والعين تترقرق بالدمع لا شعورياً ، فلم أطل البقاء فيه لما أصابني من الحزن والهم على ما حل به وعلى رؤية الصلبان والصور والتماثيل النصرانية تملئ المكان ، ويحضرني قول الشاعر وكأنه يصف حالي :
رباه ألهمنا اصطبارا ً إننا
بعد الفراق بحبنا نتفجع ُ

وبعد أن خرجت من الجامع أكملت جولتي في المدينة حتى وصلت إلى قنطرة قرطبة وهي الجسر كما ذكرت في السابق ، فجلست فوق الجسر أناظر المدينة من بعيد والأضواء تملئها إذا دخل وقت المساء وحل فيها الظلام … وإن كان قد حل فيها منذ زمن …!
جلست على النهر لبضع ساعات أتأمل المدينة وأتذكر الماضي وأرسم المستقبل في ذهني وأخطط له ، ثم عدت إلى الفندق بعد أن أنهكني التعب وحزمت أمتعتي أستعدادا ً للرحيل عن قرطبة غداً في الصباح الباكر ..
وبالفعل استيقظت باكرا ً وغادرت قرطبة وتركت فيها بعضا ً من نفسي ، وبيني وبينها وعد لا تخلفه ولا أخلفه بإذن الله ….
وقلت عند الوداع :
ودعتك يا درا مجد ٍ ضائع
وبنيت من روحي بجنبك دارا
سنعود للعليا كأول مرة
وتعودِ للدنيا مذهباً وشعارا
آه .. عشت معك في مسيرتك لليوم الرابع ..
ولكنه يوم حزن وألم وحسرة ..
أحززني ما كتبت عن مسجد قرطبة ..
ولكن سنعيده كما كان درة ..
أسلوب رائع .. وطرح موفق ..
بوركت أخي الأندلسي ..
: )
يبدو أن زيارتك كانت مليئة بالأحزان , ليس هيناً أن يرى الإنسان ما كان بملكه
بيد غيره يرتع به ظلماً وقهراً ..
الأبيات الأخيرة أعجبتني كثيراً , ياله من وداع ..
أمّا بمسألة العيش خارج البلاد كنت أفكر بهذا الأمر ولكن الأمر يختلف من رجل لإمرأه
كم أهوى الترحال والدعوة إلى الإسلام , ولكن في عصر الإنترنت لا بأس للنساء من السفر
دون محرم ^_^
اسلوبك ممتع يحفز المتابع لرسم التفاصيل بدقة
أوجعني حال مجدنا و حضارتنا السابقة وما آلت إليه
شكرا لك ولما سطرت هنا
في رعاية الله وأمانه
قلم
حياك الله أخي الكريم ، وبالفعل كان المنظر محزن وإن كان هذا المنظر لا يؤخرني عن العمل ولا يقلل من عزيمتي بل يزيدها ..
وبإذن الله ستعود أفضل مما كانت … وما ذالك على الله بعزيز ..
أدام الله قلمك ^_^ ..
iCoNzZz
نعم بالفعل اختي ..
كانت الزيارة مليئة بالأحزان وليس من الهين أن يرى الإنسان والمسلم بالذات هذه المناظر وأن يرى هذه المعالم بيد النصارى بعد أن كانت بأيدينا ..
ولكنها مليئة أيضاً بالأمل والتفاؤل بقابل الأيام ، فالذئب إن جرح ولم يقتل لابد له من أن يقوم ويأخذ بحقه ، وقليل من الألم تقوي من عزمي وتشحذ الهمم ^_^ …
وكما تفضلت مسألة العيش خارج البلاد فكرة جميلة ولكنها تحتاج إلى قرار ليس بهين لخوض هذه التجربة ، وقد يكون هذا الأمر في المستقبل فرب حلم تحقق بعد حين بشيء من الإرادة والعزيمة ^_^ ..
والداعية أينما وقع … نفع ..
شكراً لمروركم وتعليقكم الكريم ،،،
الغدوف
شكراً لكم اختي الكريمة على مروركم وإطرائكم ،،،
وكذلك يوجع هذا الحال كل من له قلب فيه حرقة على الأمة ، وإن الحرقة في نفس المؤمن هي بداية عمله ونصرته لهذه الأمة ..
ونسأل الله أن يعجل بهذا النصر ..
جميلة هي كلماتك
جعلتني اذهب إلى هناك وانا في مكاني..!!
شكراً لك
داعية الغد
شكراً لكم اختي الكريمة مروركم واطراءكم ^_^ ،،