في أول لقاء…( اليوم الخامس + السادس والأخير )
- اسبانيا – غرناطة:
- ( اليوم الخامس + السادس والأخير ) :

- وصلت اليوم ولله الحمد والمنة إلى غرناطة في وقت الظهيرة تقريباً بعد رحلة ممتعة في الحافلة فقد فاتني موعد القطار فكانت الحافلة هي الحل الأمثل ، وبالفعل كان الأمر أمتع بكثير من القطار حيث مررنا على الكثير من مدن الجنوب وشاهدت المناظر الجميلة والطبيعة الخلابة من بساتين خضراء وجبال مختلف ألوانها فمنا الأخضر ومنها الأسود ومنها الأبيض بعد أن كساه الثلج ببياضه ، وكنت أشاهد في الطريق الكثير من القلاع والحصون والآثار القديمة هنا وهناك فكان لها سحرها الجميل وسط هذه الطبيعة ، فرحت أتخيل المسلمين في السابق وعيشهم في هذه الأرض الجميلة ، وأتخيل جيوش المسلمين تملئ المكان فكأني أرى التاريخ وما جرى في تلك الأيام ، وبالفعل كانت جولة مميزة ….. ( إقرأ المزيد )
وصلت إلى الفندق وكان الفندق جميل على تواضعه وبساطته ، فقررت الراحة قليلاً في الفندق فزيارتي لغرناطة أهم ما فيها هو اليوم الثاني وهو زيارتي لقصر الحمراء وجنات العريف ، وبالفعل جلست بالفندق لأربع ساعات صليت فيها الظهر والعصر جمعاً ثم أرحت قليلاً من عناء السفر ، وبعدها خرجت من الفندق باحثاً عن الطعام ، فوجدت أيضاً مطعماً مغربياً صغيراً يقدم الشاورما والفلافل وكان مطعماً مميزاً بالفعل على صغر حجمه وقلة تنوع الطعام فيه ، ولكن طعامه فاق ما أكلته من قبل في المطاعم الأخرى في هذه الزيارة ، وفي المطعم وجدت شاباً مغربياً يعمل في المطعم فأخذت أتجاذب أطراف الحديث معه قليلاً وأسأل أسألتي المعتادة لكل عربي تحاورت معه في هذه الرحلة ، عن أحواله وأحوال بلاده وأحوال الأندلس ” اسبانيا ” والمسلمين فيها ، وكان شاباً محترماً ذو خلق حسن ، ثم أنهيت طعامي ، وذهبت أتجول في غرناطة مشياً على الأقدام أكتشف بعض الأماكن والمعالم فيها حتى بلغ التعب مني ما بلغ ، ثم عدت إلى الفندق باكراً بعد أن أشتريت تفاحاً من محل للفاكهة كي أفطر بها في صباح اليوم التالي ، عدت للفندق وأنا أفكر في الغد وزيارتي لقصر الحمراء ذلك الصرح العظيم الذي ظل آية من آيات الجمال وفن المعمار الإسلامي الأندلسي ، وبعد وصولي صليت صلاة المغرب والعشاء جمعاً ثم أغمضت جفني على تخيل الحمراء ومافيها ، وتذكر أمجادها وماضيها .. ويالها من أمجاد ..

قمت من النوم في وقت الضحى وأعددت عدتي لرحلة اليوم إلى قصر الحمراء ، فخرجت من الفندق للتجول في المدينة فزرت الأسواق العربية في غرناطة واشتريت قطعة ً فنية من الخزف نُقش عليها كلمة “ ولا غالب إلا الله ” كذكرى أحملها معي من غرناطة ، والتقطت بعض الصور من هنا وهناك ، ومن الملفت للنظر ما وجدته في بعض الأسواق وهي قصة بعدةِ لغات تتحدث عن غرناطة وقصتها التاريخية وسقوط المدينة وتسليمها من قبل حاكمها أبوعبدالله محمد الصغير لفرنداد وإزابيلا ملوك النصارى الغاصبين وفيها بعض الرسوم عن بذخ المسلمين وشربهم للخمر وإسرافهم واهتمامهم بالنساء والمال ثم في آخر الصفحات رسمة لأبوعبدالله الصغير وهو يبكي على غرناطة في مكان تاريخي خارج المدينة وذلك المكان يسمى “ زفرة العربي الأخير ” ، فحركت هذه القصة ورسوماتها شجوني وأحزاني لما فيها بعض التشويه لبعض الحقائق وتصوير المسلمين المخربين والمتحوشين وأن النصارى هم المنقذين المسالمين … ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
ثم كتمت أحزاني وأكملت جولتي في المدينة لبعض الوقت حتى وصلت إلى المطعم الذي وصلت له بالأمس وكان فيه شاباً مغربياً أحدهم زبون جاء يأكل من المطعم والآخر يعمل في المطعم اسمه “ رشيد ” وهو غير الذي كان متواجداً بالأمس ، وفي البداية بدأت بالسلام والسؤال عنهم وعن أحوالهم وسألت أسئلتي المعتادة في هذه الرحلة ، وسألوني إن كنت من السعودية فأخبرتهم أني من الكويت والمسلمين كلهم واحد وإن فرقونا بالمسميات ، فذهب الأخ الزبون يتكلم عن الكويتيين ويمدح بعض صفاتهم وأنهم شعب مثقف وعنده حرية ديموقراطية في اختيار أعضاء المجلس والإنتخابات الطلابية والبرلمانية وغيرها من الأمور فشكرته على حسن ظنه وإطراءه وقلت له أن الكثير من الدول العربية فيها المثقفين والعارفين بل العلماء أيضاً ، فلاحظت أن البائع عنده تصور خاطئ عن الكويت وأهلها وكان ينكر على الأخ الزبون مدحه للكويتين بهذه الطريقة وأن الكويت كما فيها الحسن فيها السيء أيضاً وهذا ينطبق على جميع الدول العربية بل العالم أجمع ، فوافقته على كلامه ودافعت عن رأيه أيضاً ، ثم توالت الأسئلة والأحاديث تارة عن دياري وتارة عن دياره المغرب وكنت أحدثه عن المغرب وحبي لها وشوقي لزيارتها فهي أرض الرباط والمرابطين ، وبعد حديثنا الطويل لاحظت منه بعض التغيير وتقبله لي بشكل أكبر مما كان في أول لقائنا ، ثم ودعته لأذهب لمحطة انتظار الحافلة الخاصة لزوار قصر الحمراء فقلت له: “ لعلي أراك بعد عودتي “ فأخبرني أن عمله سينتهي بعد ساعة ولن أراه اليوم فأخبرته أن الدنيا صغيرة ولابد لي من أن أراه ولو بعد حين ، فودعته على عجل وذهبت إلى محطة انتظار الحافلة ثم ركبتها قاصداً الحمراء ..

وصلت إلى الحمراء ولم يتبقى على وقت دخولي إلى قصر النصريين إلا دقائق معدودة وقصر النصريين من أهم معالم الحمراء وله وقت محدد إن لم تكن متوجداً في هذا الوقت فقد فاتك الحجز ولن تستطيع دخوله إلا بعد يومين أو ثلاث ، ولكن لله الحمد وصلت في الوقت المحدد تماماً ، فدخلت إلى قصر النصريين وهو سمي نسبة ً إلى بنو الأحمر من بني نصر الذين حكموا غرناطة في آخر أيامها ، وقبل دخولي وأنا انتظر في الصف كي أدخل القصر كنت أتذكر شعار دولة بني الأحمر المعروف “ ولا غالب إلا الله ” وكنت أتسائل أين سيكون هذا الشعار قد نقش ، وبعد دخولي وجدت هذا الشعار قد نقش في كل مكان في القصر ، على الأسقف والجدران والأعمدة والنوافير وفي كل مكان وكنت أظن انها في مكان واحد ..

كانت رؤية القصر وهذه الشعارات التي لها وقع كبير في نفسي فمنها “ ولا غالب إلا الله ” ومنها “ العز لمولانا السلطان أبي عبدالله ” ومنها “ الحمد لله على نعمة الإسلام ” وكان أشدها وقعاً على نفسي تلك النقوش التي كتب عليها ” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ” فلما رأيت الأخيرة فكأنما سهماً أصاب قلبي من شدة وقعها علي وسال دمعي على وجنتي دونما أشعر وقلت “نعم…الله خير حافاظا ولكنكم لم تحفظوها” وكنت أعني ملوك الطوائف كافة وبنو الأحمر خاصة ..
أين الملوك الآن .. إني لأتصور حالهم وهم يقولون “ ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ” .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

خرجت من قصر الحمراء بعد التجول فيه وفي حدائق جنات العريف ، ووقفت على الأطلال بجانب الحمراء أحدثها وأقول ..
على الأطلال عاتبتها بتألم ِ
أيا حمراء مالكِ لا تتكلم ِ
أنسيت معناً للحروف نجيدها
أم تخشِ أن تتلفظ ِ بتلعثم ِ ؟
فلما لم تجب أطرقت رأسي والدمع يسيل من عيني وغادرت الحمراء على أمل اللقاء بها في قابل الأيام بإذن الله ..
عدت للمدينة “غرناطة” واتجهت إلى الفندق مشياً على الأقدام بعد أن أقلتني الحافلة إلى الشارع الرئيسي في وسط غرناطة الذي انطلقت منه إلى الحمراء ، وأنا في الطريق إلى الفندق رأيت الشاب المغربي ” رشيد ” الذي لاقيته بالمطعم فناديته فرءاني وابتسم وقلت له:” ألم أقل لك أننا سنلتقي مرة أخرة ؟” ، واصر على السير معي إلى الفندق حتى أصل وكنا نتحدث عن الحمراء وما رأيت فيها وما شعرت به وأنا أتجول في القصر ، وبعد أن صرنا بالقرب من الفندق أستأذنني بالرحيل فودعني وسلم علي سلاماً حاراً وقال لي: “ يا محمد سأكون في رمضان في المغرب فإن كنت تريد زيارتها فمكانك موجود ” ، وقلت له: “ وكذلك إن زرت الكويت فاعلم أن لك أخ ٌ فيها ” ، فقال لي: “ أدعيلي أخي ” وقلت له: “ بإذن الله .. وأنت كذلك لا تنسانا من دعائك ” …
ثم دخلت الفندق وأعددت حقائبي استعداداً للغد ورحيلي إلى مدريد والبقاء فيها يوماً واحداً ثم الرجوع إلى بلدي الحبيبة الكويت ..
وبانتهائي من زيارة غرناطة انتهت رحلتي الأولى ولقائي الأول بالأندلس ، تركت الأندلس وفيها شيئ من روحي ونفسي ، وأخذت منها هواها وذكراها التي لا تفارق خيالي ، وعدت إلى بلدي وصدري ملؤه الأحزان والآمال والأسى على ما فات والتفاؤل والإقبال على ما هو آت ، وأسأل الله جل وعلا أن لا تكون هذه الزيارة آخر زيارة لي ، وأن يحقق الله أملي وحلمي بأن تعود هذه الديار للمسلمين كما كانت وما ذالك على الله بعزيز …
ولا غالب إلا الله
ماشاء الله رحلة ممتعة ^^
كم أود زيارة قصر الحمراء =”)
شكرا لهذه التغطية الرائعة ^^
تصدق .. قاعد أقرا ولا شعورياً أنشد “بالله ان زرت المغاني مرة … عرّج على أهلي هناك وسلّمي”
جميل جدا , وثناء على هذا السر الماتع
أغبطك على هذه الرحلة
يعطيك العافيه
السلام عليكم…
ذكرتني بشعوري عندما قرأت كتاب الأندس التاربخ المصور للدكتور طارق السويدان..
أرجو من الله ان تعود الأندلس لنا.. كما كانت
وان يعود مجد أمتنا..
أطياف~
بالفعل أختي رحلة ممتعة بل أكثر من ممتعة ولله الحمد ..
وإن شاء الله تزورون الحمراء على يوم تشوفونها رأي العين ^_^ …
وشكراً لكم على المرور الكريم والمتابعة ..
—-
الحارث بن همام
أحيانا يا بوهمام لمه تقرا عن شي تحبه تندمج فيه لتصل إلى مرحلة كبيرة في الإندماج تفوق مسألة الإنشاد ^^!
شكراً عالمرور شيخنا ..
—–
الغدوف
حياكم الله اختي الكريمة واتمنى لكم زيارة الأندلس لتشعروا بشعوري وتروي ما رأيت رأي العين ..
وليس الخبر كالعيان ^_^ .. شكراً لكم على المرور والمتابعة ..
—–
داعية الغد
وعليكم السلام ورحمة الله ..
بالفعل شعور جميل وكتاب جميل أيضاً كتاب د.طارق السويدان قرأته أكثر من مره وسأعود لقرائته مجدداً بإذن الله ..
وبإذن الله ستعود الأندلس أفضل مما كانت .. وما ذلك على الله بعزيز ..
رد ممتع لأحداث الزيارة , وقد تألمت لعدم زيارتي الأسواق العربية في غرناطة , لم نكن نعلم بوجودها
زيارة منطقة الحمراء , وهي المنطقة الباقية فوق الجبل بحصونها وقلاعها وقصرها وحدائقها , تثير في النفس زفراتٍ وألم , وتشعرك بأن كل مافيها يستجديكَ لبعث في جسده شيئاً من روح الاسلام
الزخرفات أكاد اسمع نبضها , والزركشات على السقوفِ تنادي ..
إيلاف
تعليقكم واضافتكم اختي هي الأمتع ^_^ ،،
وبالفعل تلك المنطقة فيها سحر عجيب وخاصة لمن يعرف ويعشق ذالك التاريخ ..
وبالفعل كانت الزخرفات والزركشات تنادي وتأن ..!!
والأيام دول…!